ابن عجيبة
209
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 28 إلى 30 ] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 ) يقول الحق جل جلاله ، في وصف المشركين : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أي : فعلة متناهية في القبح ؛ كعبادة الصنم ، وكشف العورة في الطواف ، احتجوا بفعل آبائهم فقالوا : وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها فاعتذروا بعذرين باطلين : أحدهما : تقليد آبائهم ، والآخر : افتراؤهم على اللّه ، فأعرض عن الأول ؛ لظهور فساده ، ورد الثاني بقوله : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ؛ لأن اللّه تعالى جرت عادته على الأمر بمحاسن الأفعال ومكارم الخلال . ولا حجة فيه للمعتزلة . انظر البيضاوي . والآية كأنها جواب سؤالين مترتبين ؛ كأنه قيل لهم : لم فعلتم هذه الفواحش ؟ قالوا : وجدنا عليها آباءنا ، فقيل : ومن أين أخذها آباؤكم ؟ قالوا : اللّه أمرنا بها ، فكذبهم اللّه بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ، أي : أتتقولون على اللّه ما لا علم لكم به ؛ إنكار يتضمن النهى عن الافتراء على اللّه . قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ أي : العدل ، وهو الوسط من كل أمر ، المتجافى عن طرفي الإفراط والتفريط ، وأمر بأن قال : وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي : افعلوا الصلاة في كل مكان يمكن فيه السجود إذا حضرتكم ، ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم . والمعنى : إباحة الصلاة في كل موضع ، فهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » . وقيل : المراد إحضار النية والإخلاص للّه في كل صلاة بدليل قوله : وَادْعُوهُ ؛ أي : اعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي : الطاعة ، فلا تعبدوا معه غيره ، فإنكم راجعون إليه ، كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فيجازيكم على أعمالكم ، فاحتج على البعث الأخروى بالبدأة الأولى ؛ لاشتراكهما في تعلق القدرة بهما ، بل العود أسهل باعتبار العادة ، وقيل : كما بدأكم من التراب ، تعودون إليه ، وقيل : كما بدأكم حفاة عراة غرلا ، تعودون ، وقيل : كما بدأكم مؤمنا وكافرا ، يعيدكم . قاله البيضاوي . فَرِيقاً هَدى ؛ بأن وفقهم للإيمان ، وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ؛ بمقتضى القضاء السابق ، أي : خذل فريقا حق عليهم الضلالة ، إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ يطيعونهم فيما يأمرونهم به ، مِنْ دُونِ اللَّهِ ،